في موتيجيل؛ منطقة الأعمال التجارية الرئيسية في العاصمة البنغلاديشية دكا، يقسم السياج الحديدي والحركة المرورية الرهيبة فرعين يخصان أقدم بنك خاص في الدولة- الفرع التقليدي والفرع الإسلامي.
ويقول مدير الفرع الإسلامي، عبد الستار، إنه عندما انضم إلى فريق بنك “إيه بي”، في العام 2005، كان الفرع الذي تولى قيادته فرعاً خاسراً. واليوم، مثله مثل معظم البنوك الإسلامية في الدولة، أصبح أكثر ربحية ويعمل حتى أفضل من نظرائه البنوك والفروع التقليدية. ومع ذلك، ما يزال مستقبل المصرفية الإسلامية في البلاد غامضاً.
ولدى بنغلاديش 8 بنوك إسلامية كاملة العضوية، وتوفر حفنة من البنوك الأرثوذكسية فيها أيضاً، مثل بنك “إيه بي”، الخدمات المصرفية الإسلامية بين أخرى أيضاً. ويدير “البنك الإسلامي بنغلاديش”، الذي أسسته زمرة من المستثمرين السعوديين والكويتيين في العام 1983، 90 % من أصول وودائع المصرفية الإسلامية في البلاد. وهو يعد أيضاً أكبر مقرض خاص بشكل عام، لتمتعه بطاقم عمل من 14.000 موظف و12 مليون مودع، فضلاً عن ميزانية عمومية تناهز الـ10 مليارات دولار.
وقد بني نجاح هذا البنك على عاملين اثنين: التحويلات المالية وقطاع الألبسة الجاهزة. وبواقع الحال، كان الإسلامي بنكاً رائداً في تمويل نهوض بنغلاديش كقاعدة إنتاج رئيسية لصناعة الملابس خارج الصين. وهو يدير أيضاً أكبر مشروع إسلامي للتمويل الأصغر.
ومن جهته، يعتقد نائب رئيس البنك السابق، عزيز الحق، أن المصرفية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية ستهيمن في نهاية المطاف على المصرفية التقليدية (والتي تسيطر الآن على 20 % فقط من الودائع). وسوف تعتمد في ذلك على تعداد الدولة السكاني (170 مليون نسمة 90 % منهم مسلمون). ويفيد البنك الدولي أن واحدا من كل ثلاثة في بنغلاديش فقط يملك حساباً بنكياً. وتظهر الدراسات الاستقصائية التي تجريها حكومة البلاد أن المصرفية الإسلامية تحظى بشعبية كبيرة خاصة في المدن وبين الشباب. وبشكل عام، 84 % من الناس يتفقون معها.
وفي سياق متصل، يقول المدير التنفيذي لمعهد بحوث السياسات (بي آر آي) -مؤسسة فكرية في دكا- إحسان منصور، إن البنك الإسلامي كان الوحيد الذي لم تكن فيه “الرشوة في منظومته المؤسسية”. في حين ما تزال القروض السيئة للشركات ذات العلاقات السياسية في البنوك التقليدية تتراكم. ويبدو أن السياسيين في بنغلاديش يشجعون المحسوبية، بحيث يسمح القانون المصرفي الجديد لمديري البنوك بالبقاء في مناصبهم مدة 9 أعوام، بدلاً من 6 أعوام في السابق، بينما يتيح للأسر المسيطرة 4 مقاعد في مجالس البنوك الإدارية بدلاً من مقعدين في السابق.
وخلال الشهر الحالي، أفاد البنك المركزي بأن صافي أرباح البنوك التقليدية ارتفع بنسبة 4.9 % من بداية العام حتى شهر حزيران (يونيو). ووقفت القروض المتعثرة عند 9.2 %، مقارنةً بـ4.3 % فقط في البنوك الإسلامية. وفي 9 من بنوك الدولة الـ57، اتضح أن هناك 20 % من القروض التي تعاني التعثر. وربما تسوء أوضاع القروض السيئة أكثر مع معاناة الأعمال التجارية مشكلة ركود الصادرات، ففي الشهور الـ12 المنتهية بشهر حزيران (يونيو) من العام، اتسع تصدير الملابس الجاهزة بنحو 1.7 % فقط على أساس سنوي، وهي أبطأ وتيرة للصناعة في 15 عاماً. وتظهر اختبارات الإجهاد، التي يقوم بها البنك المركزي، أنه في حال تخلف المقترضين الثلاث الأكبر عن السداد، سيؤدي ذلك إلى سقوط 23 إلى الهاوية.
وفي هذا السياق، ربما تتوقع البنوك الإسلامية تلقي بعض المساعدات الرسمية، وبعيداً كل البعد عن ذلك، لم يبت البنك المركزي لسنوات في طلبات 8 بنوك تطلب التحول إلى نموذج الأعمال الإسلامي. وما يزال الأمر يتطلب منه إصدار قوانين تخص الأدوات المتفقة مع الشريعة الإسلامية، مثل الصكوك السيادية، أو السندات الإسلامية، وليس للبنوك الإسلامية حقيقةً أي دور في تمويل المشاريع الحكومية.
وتأتي المقاومة من المؤسسات المالية والسياسية على حد سواء بواقع الحال. ويتقيد البنك المركزي بالنزعة الأرثوذكسية الاقتصادية، وهو يحذر جيداً من نموذج الأعمال المصرفية التي تبطل فيه أسعار الفائدة اسمياً. وكثيراً ما ربطت حكومة الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء، المصرفية الإسلامية بالمعارضة السياسية.
وفي كانون الثاني (يناير) من العام، حرضت الحكومة على انقلاب ضد البنك الإسلامي، الذي كان يديره أعضاء من أكبر أحزاب البلاد الإسلامية. وأصبحت الملكية الآن أقرب ما تكون إلى عائلة رئيسة الوزراء. وهذا بدوره أيضاً يمكن أن يعيق نمو المصرفية الإسلامية. وتقع نجاحات بنغلاديش الأكبر (الألبسة الجاهزة والتمويل الأصغر والاتصالات) في صناعات تتخذ فيها الحكومات مقاعد خلفية. فمنذ فرض الحكومة سيطرتها، خفض أكبر مستثمر مؤسسي في البنك الإسلامي، بنك التنمية الذي يتخذ من جدة مقراً له، حصته فيه من 7.5 % إلى 2.1 %.
ويلاحظ منصور، من “بي آر آي”، أن الهيمنة الحكومية تشير بوضوح إلى أن أوضاع الأصول في بنغلاديش لن تكون آمنة في المستقبل. في حين يشدد رئيس البنك الإسلامي، أرسطو خان، على أنها ستنتعش، رغم تسجيلها انخفاضاً من 10 % في العام الماضي، مقارنةً بمتوسط تاريخي يناهز الـ21 %، وارتفاع التعثر. وربما يتوقف مستقبل المصرفية الإسلامية في بنغلاديش فيما إذا ما كان على حق أم لا.
Comments (0)